ازدواجية الخطاب ..للكاتب مصطفى فاكر

 موقع المنار توداي 19 غشت 2020.

كثر في الايام الماضية الحديث عن اليخت و عن الشخصيات العمومية فيه و عن الاحداث المواكبة لهذا الحدث  و الايادي الاثمة التي عملت على انتشاره الواسع وسط المواقع التواصلية الاجتماعية وما خلفته من ردود فعل متباينة من حيث المضمون أو من حيث المبدأ  رغم أن هذا يدخل في باب الحريات الفردية الخاصة بالأشكال ذكورا و إناثا رجالا و نساء ، حيث ذهب فيها القوم كل مذهب و اصل لها العلماني كما الاسلامي و حولها البعض إلى محط للجدال و محل للصراع الفكري و الإيديولوجي بين من يعترف بها و يحصر فضائها الى حدود معقولة ، و من ارخى لها العنان و جعلها فوق الحدود ، ودعا لاسقاط القانون المجرم و الشرع المحرم و اعتبر الحق في إطلاق العنان لشهوات النفس و الجسد حقا يجب أن يكون مكفولا دون قيد أو شرط .

و هكذا استمر الجدل و سيستمر ما دامت الخصومة الايديولوجية قائمة والصراع الفكري كائن و مترسخ بين تلوينات و تعبيرات ساحة التدافع السياسي و الفكري في هذا البلد و في سائر بلاد العرب والمسلمين .

لكن في المقابل ظلت هذه الحرية تتلقى الضربات من روادها و مناصريها في ساحة التدافع السياسي و اصبح ما هو محرم تؤطره القناعات العلمانية واللادينية حول الأفراد و الأشخاص الذاتيين، و تؤصل له صراعاته المستمرة في معركة تثبيت الذات ضد الشرع "الدين" و القانون حينما يتعلق الامر بالاشخاص و الافراد حلالا زلالا ، حينما يقصدون الى انتهاك خويصات الاشخاص المعنويين" الاحزاب والتنظيمات المدنية" في حلبة الصراع السياسي والحزبي .

فالحرية قيمة انسانية فوق كل استغلال يبغي تحقيق غايات ظرفية او تصفية حسابات خاصة ، فهي قيمة غير قابلة للتلون او التجزيئ ، حتى ناخذ منها و ندع ، فهي للأشخاص كما للمجتمعات و التمركزات السياسية والفكرية سواء بسواء . فحينما نؤمن بها كقيمة انسانية لهذا الطرف و ننافح دونها من اجله ، فلا يحق لنا أن نخرق اعتبارها حينما يتعلق الامر بطرف اخر كان شخصا ذاتيا او معنويا . فهي للأفراد حق مقدس في حدود يتواضع عليها العالمون و هي للمجتمعات والتكتلات السياسية و الفكرية كذلك حق لا يحق لاحد ان ينتهك حياضها او يعبث باعتبارها القيمي المقدس .

فلقد سارت في الآفاق في الآونة الأخيرة خطابات انتهاكية كائنات ظلت "تصدع " رؤوسنا بالغيرة على الحريات الفردية ، و بلغت مبالغ غير مسبوقة في الدفاع عنها  و حين يخلون الى ذواتهم وأنفسهم ترى أفعالهم وتصرفاتهم لو اطلعت عليها لوليت منها فرارا و لملئت منها رعبا

و بالمقابل فهي لم تستحي ان تنتهك ذات الحرية لخصوم على وغى التدافع السياسي حيث اوغلت في انتهاك خصوصياتهم الذاتية ، و التدخل في قناعاتهم السياسية و منطلقاتهم المذهبية الفكرية ، في ضرب صارخ لحق التنظيمات و الأحزاب في تبني المنطلقات التي تراها الأجدر بالتأسيس لرؤى التغيير و فلسفات التأطير الجماهيري و الأوفق للقناعات المجتمعية التي توجه ايها خطاب الاستقطاب. و هي من قبيل الحريات الفردية المرتبطة بالأشخاص المعنويين و التي تحتاج من كل العقلاء نفس الغيرة والدفاع الذي تنال من الحريات الفردية المرتبطة بالأشخاص الذاتيين .

في التدخل في اختيارات أحزاب إسلامية أو علمانية أصلت قناعتها الخاصة و اسست عليها برامجها ورؤاها الاستراتيجية القومية حسبها بإحداث التغيير المنشود المحقق انتظارات الشعب لا يقل جرما و انتهاكا مما يفعله التدخل السافر في حريات الأشخاص الذاتيين بمنطق "حشومة" و "عار "و العلماني المتطرف الذي يدعو الى تكسير كل الحواجز و العقابيل الحائلة امام انطلاق هذه الحرية والتمكين لها بدون شرط ولا قيد بما في ذلك تحريمات الدين و تجريمات الشرع أو بمنطق الإسلامي الذي يؤسس لحدودها المعقولة من الدين و القانون و تواضعات المجتمع .

فرفضنا التدخل في الحرية الفردية المطلقة للأشخاص الذاتيين يجب أن يكون أيضا سلوكا نسحبه على مختلف ارتباطاتها المجتمعية و السياسية و الفكرية مع الأغيار و احزاب او تنظيمات او تجمعات فكرية او أيديولوجية مخالفة . إذ هذه القناعة المرتبطة بقيمة انسانية او بالاحرى بما نتصوره و نعتقده حول هذه القيمة صحيحا كان أو خطأ لا يمكن أن يقبل لنا بحصر هذا الإيمان في زاوية ضيقة، فنؤمن بالحرية و ننافح دونها حينما تخدم أجندتها و نكفر بها حينما تعيق هذه الأجندات و تخدم أجندات خصومنا .فالهجومات التي  تتوالى على احزاب و برامج و مذهبيات ، و تتدخل في القناعات الخاصة بها، بالتأويل و التخوين و التكفير و التي تصدر من  اعلى منابر الخطابة و الاعلام و من داخل الندوات والصالونات ، من انصار الانغلاق و الزوايا  لا يقل جرما مما تفعله اعتى الديكتاتوريات العسكرية في حق الحريات المقدسة التي تكفلها الشرائع السماوية والقوانين الدولية .

فبنفس القدر الذي يحترم فيه من يخلطون الدين بالسياسة ، على هؤلاء كذلك أن يحترموا لأولئك قناعاتهم و ان يقدروا لهم حريتهم الفردية لا أن يؤمنوا ببعض الحرية ويكفرون ببعض

الكاتب مصطفى فاكر

 


الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي اسم الموقع