الاوراش الوطنية للنهضة التنموية في مغرب ما بعد كورونا.للكاتب مصطفى فاكر.


موقع المنار توداي 26 يونيو 2020.
لا يختلف اثنان على ان هذه المرحلة التي يعيشها وطننا و مختلف بلدان العالم تتسم بكثير من الصعوبة و تعتمد أساسا على سرعة ونجاعة القرارات التي يتخذها كل بلد على حدة .
و إذ يجمع الكل على أن المغرب بتوجيهات من ملك البلاد محمد السادس نصره الله وأيده احسن التصرف بشكل كبير مع مجريات تفشي الوباء في المعمورة من خلال حزمة من التدابير الوقائية كما العلاجية ، فتمكن من الحد بشكل كبير من تفشي الفيروس في صفوف المغاربة.
هؤلاء الذين اصطفوا جميعا وراء ملكهم في تجاوب تام مع الخطة الرشيدة للمملكة للحد من تداعيات وباء قهر دولا عظمى و أصاب اقتصادها و قبلها أنظمتها الصحية بوهن لم تشهده من قبل .
و اذ وجب الاستمرار في التعبئة الوطنية من أجل الخروج بأقل الخسائر الممكنة جراء هذه الجائحة فإن التفكير فيما بعد وباء كوفيد19 يبدو هذا النهج السليم والأكثر نجاعة و طمانة للمواطنين والمواطنات ، في لحظة تبين انها للمغاربة أن هناك دروسا عظيمة يجب استخلاصها و نواقص يمكن تداركها و فرص و كفاءات بل و ايجابيات وجب استثمارها و تثمينها من أجل مواصلة مسلسل المغرب من أجل البناء المتين و الاسرع في ظل أهداب العرش العلوي المجيد .
ويبدو أن موازين قياس مكانة الحكومات و الدول  يختلف تماما في هذه المرحلة الحرجة من تاريخ البشرية ،فلاول مرة نجد المحللين كما كبار الساسة يعترفون بأن الأمر تخطى كل المقاييس المحددة للقوة قبل ظهور فيروس كوفد 19 من حيث الترسانات الحربية أو حتى درجة الرفاهية الاقتصادية .
بعد أن برزت محددات جديدة لقوة البلدان كمؤشر القيم و منظومة التكافل الاجتماعي و درجة توافق إرادات الحكومة ومختلف مؤسسات كل بلد على حدة من جهة و حاجيات المواطنين ومتطلبات المرحلة من جهة ثانية .
مما أظهر للعيان خللا كبيرا يعتري الكثير من أنظمة تدبير الشأن العام في كثير من الدول المتقدمة و ركنها في زاوية الفشل في نظر المحللين والمتتبعين . و بالمقابل تجد دولا أقل قوة وفق معايير ما قبل كورونا تبلي البلاء الحسن على ضعف امكانياتها الاقتصادية معتمدة في ذلك على رجاحة قرارات بكاملها والمعتمدة أساسا على التدبير المعقلن لمواردها المادية و البشرية مع تعزيز دور منظومة القيم المؤطرة لمجتمعاتها التكافل و التطوع و الخلق و الإبداع. و هنا يمكن تصنيف المغرب في هذه الخانة الاخيرة في تناغم تام لمختلف مكونات المجتمع قمة و قاعدة .
و يبقى الرهان الكبير الى جانب استمرار التعبئة الشاملة من أجل تخطي هذه المرحلة الصعبة هو استخلاص العبر و من تم اقتراح أفكار يجب أن يتعبا الجميع لانجازها تحت يافطة :" الأوراش الوطنية للنهضة التنموية" بالنظر إلى أن هذا الوطن قيادة ورجالات و شعبا يستحق ان ينال مراتب عليا و يلعب أدوارا أكبر في محيطه كبوابة افريقيا نحو الجوار الأوروبي وكذلك قطب تنموي الامتداد الإفريقي.

 و لان  اليوم  فقط يجمع الكل على أن أوراشا عظمى تكتسي الطابع الاستراتيجي كالتعليم و الصحة و ما يمكن أن نطلق عليه " الاقتصاد سوسيو مالي " دون ان نغفل ورش اذكاء روح الثقافة المغربية المواطنة في تعزيز منظومة القيم الوطنية كإطار عام للعمل بعيدا عن أي تقليد للاخر او استنساخ لتجارب كابحة لارادتنا في وطن يؤمن بحظوظ كاملة في تكريس نموذج تنموي متجدد و فريد .
و لأن الاقتصاد الوطني لا شك يتأثر جراء تداعيات هذه الجائحة في الرهان كله في مرحلة اولى هو تظافر كل الجهود من أجل الحفاظ على مؤسساته قائمة بمختلف مكوناتها الاساسية و خاصة منها البشرية .
فالمغرب الطامح لتطوير اقتصاده "كوفيد19" لاشك أنه في حاجة لكل شركاته و معامله وكل المؤسسات المواطنة الاقتصادية على اختلاف مجالات عملها وحجمها ، شريطة أن تبقى محتفظة بكل مواردها البشرية .
و هنا يبرز دور توجيهات ملك البلاد الداعية الى دعم المقاولات و تعزيز قدراتها في الحفاظ على كل مقومات البقاء و بالتالي النماء بعد هذه الأيام العصيبة و هذا كله من خلال" ورش وطني مواطن " لمواكبة المقاولات المغربية و تعزيز قدراتها ماديا و بشريا في مرحلة اولى و تقنيا فيما بعد ، لتعزيز دورها المستقبلي في الرفع من وتيرة التنمية المنشودة في ظروف مواتية تراعي مصالح مستخدميها و عمالها في حفاظ تام على القدرة الشرائية للمواطنين و حقوقهم في العيش الكريم .
ولأن قطاع الصحة يكتسي أهمية كبرى قبل و ابان و خصوصا بعد زوال محنة كورونا فان ربح رهان ورش الصحة أصبح ضرورة ملحة .
من خلال خلق و تأهيل الفضاءات الصحية في تناسق تام مع طبيعة التوزيع الجغرافي للساكنة و على مختلف المستويات محليا و إقليميا و جهويا ، مع ضرورة تعزيز مبادئ وآليات الحكامة المالية و اللوجيستيكية للمؤسسات الصحية العمومية او الخاصة وفق تصور شمولي يبتغي التكامل بين الخاص و العام في خدمة المواطن و على أساس مبادئ نبل مهمة "جنود السترة البيضاء " و تعزيز مكانتهم الاعتبارية والمادية في المجتمع في حفظ تام لكرامة المواطن المرتفق للمرفق الصحي .
كما يبدو للعيان ان منظومة التربية و التكوين ببلادنا تستطيع الانعتاق من مجموع المشاكل التي تتخبط فيها ومن تم بلوغ المجد المنشود من قبل قطاع التربية و التعليم. و ذلك من خلال تعزيز الثقة في مختلف مكوناتها من رجال التعليم و مؤسسات علاوة على تثمين التجارب الناجحة ، على غرار التجربة الحالية والمبنية أساسا على تسخير كل الإمكانات المتاحة كالانترنت و قنوات الاعلام العمومية من أجل التعلم عن بعد مع الحرص على ابتكار آليات و رصد موارد تهم تقوية قدرات المتعلمين خاصة منهم اولئك المنحدرين من اسر في وضعية هشةو اكسابهم القدرة على التعلم الجيد .
كما يبدو مهما ضرورة العناية بمجالات التعلم الأخرى كالتربية غير النظامية ومحو الأمية كمدخل مهم لبناء مجتمع مغربي يتفاعل بإيجابية مع منظومة التربية و التكوين . هذا مع تخصيص حيز مهم من اهتمام مؤسساتنا التعليمية بمختلف مستوياتها للخلق و الابتكار و البحث العلمي ،كبوابة مهمة لاندماج و مساهمة خريجي مدارسنا في منظومتنا الاقتصادية والإنتاجية المواطنة و الفاعلة .
و لأن القطاع الاجتماعي قطاع النبل والكرامة في ارتباط وطيد مع اسمى صولر" الحق في العيش الكريم " بعيدا عن أي مزايدات أولية محاولا للاستثمار السياسوي أو منطق المن او حتى المفاضلة و كقطاع استراتيجي مهم لمغرب ما بعد كورونا فإن الرهان يبقى هو إخراج " السجل الاجتماعي " لحيز الوجود مستنيرين بما قد نستخلصه من عبر و معطيات خلال تدبير الترسبات الاجتماعية لهذا الوباء.
اذ لابد من رقمنة المعطيات و جعلها قابلة للتحيين و من تم للاستثمار الإيجابي وفق مبادئ الاستحقاق و الرقي بالفرد الى مراتب اقلها حفظ الكرامة والشعور بالأمان المنشود في كل زمان ومكان في هذا الوطن الحبيب.
 الكاتب ذ/ مصطفى فاكر   

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي اسم الموقع