إضراب اللصوص.للكاتب مصطفى فاكر




 موقع المنار توداي12ماي2020.../ مصطفى فاكر
جاء زعيم اللصوص إلى مكتب رئيس الشرطة و قال له :
- لقد قررنا نحن لصوص البلد جميعا أن نعلن الإضراب ابتداء من الان فلا سرقات بعد اليوم و يمكنك أن تخرج للناس و تقول لهم بأعلى صوتك:" يا أهل البلد ناموا و أبوابكم مفتوحة "
وقع الخبر المفاجيء كالصاعقة على رأس رئيس الشرطة فلم يعرف ماذا يقول ، و راح يفرك بطنه بيده ذات الخاتم الذهبي الضخم ، على عادته التي تنتابه لا شعوريا عندما يصاب بارتباك فكري بينما تابع زعيم اللصوص حديثه قائلا :
-أنت تعرف بأن كلمتنا نحن اللصوص كلمة واحدة و قد أخذت على جماعتي عهدا قاطعا بأن لا يرتكب أي منهم اية سرقة بعد اليوم و هذا قرار حاسم .
فسأله صاحب الشرطة :و هل حلفوا الايمان على ذلك ؟
ابتسم زعيم اللصوص و مسح شاربيه الكبيرين و قال :
- لا ضرورة لحلف الإيمان يا صاحب السعادة،" أما أخبرتك أني أخذت عليهم عهدا ؟..و هذا وحده كاف في شرعنا نحن اللصوص و أنت تعرف أنني إذا قطعت عهدا نفذه الجميع بأمانة و شرف .
فسأله رئيس الشرطة: و متى اتخذتم هذا القرار العجيب ؟
كان رئيس الشرطة منزعجا غاية الإنزعاج لذلك فإنه راح ينتف شعر رأسه بيده ذات الخاتم الذهبي الضخم على عادته التي تنتابه لا شعوريا عندما يصاب بانزعاج أو امتعاض بل أنه كان غاضبا أيضا لأنه من غير المعقول أن يتخذ اللصوص قرارا مصيريا كهذا القرار في لحظة مفاجئة و لا بد من أن يكونوا قد عقدوا قبل ذلك اجتماعات و مناقشات و مداولات فكيف إذن لم يخبره بذلك أي من عملائه اللصوص الذين بثهم أم أن لصوصه مزدوجي الولاء كانوا فقط يضحكون عليه بينما هم بالمقابل أوفياء لشيخ الصنعة كل هذا الوفاء ؟
انذاك هب سعادته واقفا و صرخ يغضب و هو يضرب مكتبه بقبضة يده ذات الخاتم الذهبي الضخم..غير ممكن هذا الإضراب مرفوض و قراركم ممنوع .
فقال زعيم اللصوص مستغربا :
- غريب أمركم؟ أليست السرقة عملا يعاقب عليه القانون؟ ما هذه الدولة العجيبة ؟
جلس رئيس الشرطة و هو يتمتم ساخرا : و القانون يا حضرة الحرامي يقول إن الإضراب ممنوع قطعيا.
ضحك زعيم اللصوص و قال :هذه أعجب من تلك بكثير.. من يسرق يعاقب بالحبس و من أضرب عن السرقة يعاقب بالحبس.
-ذلك لأن الإضراب كما أخبرتك محظور قطعيا و بالقانون إلا إذا تم بموجب ترخيص رسمي مثلا : كان ينبغي عليكم أن تأتوا فتخبرونا بأنكم سوف تمتنعون تماما عن السرقة و تقدموا لنا طلبا خطيا بذلك ، فندرس الطلب و ندرس نتائجه و مضاعفاته ثم تنتظر حتى نتخذ القرار المناسب و نرتب أوضاعنا بناء على ذلك..هكذا تجري الأمور بشكل صحيح أم أنك تظن أن الأمر فوضى ؟
فقال زعيم اللصوص مبتسما : بسيطة.. لا تقلق و لا تغضب.. هات ورقة لأكتب لك الصيغة التي تريدها . المهم أن ننفذ الإضراب و نتوب عن ارتكاب السرقات نهائيا.
فسأله رئيس الشرطة ساخرا :و أنت ستوقع على هذا الطلب بصفتك ماذا ؟
-بصفتي زعيم اللصوص طبعا .. يعني أنا حسب تعبيراتكم الرسمية رئيس نقابة لصوص هذا البلد.
و من أعطاك هذه الرئاسة ؟
- جماعتي اللصوص طبعا اختاروني من بينهم بإرادتهم و بالانتخاب الحر و النزيه 
- و متى جرى الإنتخاب ؟و أين عقد الإجتماع ؟ و هل عقد الإجتماع بترخيص رسمي ؟ و هل حضر الإجتماع ممثل السلطة ؟
ثم صمت رئيس الشرطة لحظة و تابع قائلا بلهجة تقريعية :
- هذه دولة يا حضرة اللص المحترم ،إنها دولة قانون و نظام.. على الأقل كان ينبغي عليكم أن تقدموا لنا لائحة بأسماء المرشحين حتى ندرس انتماءاتهم فنرشح لكم بدلا عنهم شخصا من عندنا يكون أفضل منهم.
- و ماذا سنفعل بمرشحكم الذي ستفرضونه علينا ؟
- تنتخبونه طبعا ..فأنتم لا تعرفون الكتابة و نحن نعطيكم أوراقا مختومة باسمه سلفا و ما عليكم إلا أن ترموا الأوراق في الصندوق بمنتهى الديمقراطية.
ضحك زعيم اللصوص و قال :سلامة عقلك ياصاحب السعادة.. اللصوص كلهم عندي ، فكيف تجدون من خارج " تنظيمنا " لصا لترئسوه علينا ؟
- و من أخبرك بأنكم وحدكم لصوص هذا البلد ؟.. ثم إنني نسيت أن أسألك أهم سؤال ما هو سبب هذا الإضراب المفاجيء ؟ .إذ أن الإضرابات عادة ما تقوم على دواعي و أسباب إحتجاجا على شيء ما مثلا .. فأنتم اللصوص تريدون الاحتجاج على ماذا ؟
فوجيء زعيم اللصوص بمسألة السبب إذ لم يكن يعلم بأن كل إضراب إنما يأتي احتجاجا على شيء ، يجب ان يكون هناك شيء أعوج و أصحاب الاضراب يريدون تقويمه و تصحيحه لذلك فإنه لم يجد أمامه إلا أن يعترف قائلا :
- هذه النقطة لم تخطر على بالنا أبدا 
- إذا فلم الإضراب ؟
- كل ما في الأمر أن ضمائرنا استيقظت و حييت و قررنا التوبة إلى الله توبة نصوحا و تعاهدنا على التوقف عن السرقة نهائيا ،فهل هذا من القانون أم ضد القانون ؟

ختم رئيس الشرطة هذا الحوار المضني بأن ضغط على زر معين فجاء العسس و قال لهم :خذوه ، فأخذوه .
الكاتب مصطفى فاكر..

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي اسم الموقع