الشماعية مدينة العجائب و الغرائب



موقع المنارتوداي//22//02//2020//
أضحت مدينة الشماعية تتسع و تكبر و تتمدد في كل الإتجاهات ، تمد جذورها كشجرة فوق الأرض من كل ناحية...الأبنية و الجدران تتناسل و تتكاثر ترفع هاماتها نحو عنان السماء في خيلاء.حواشي المدينة ما فتئت تقضم تارة تحت جنح الليل طورا و طورا اخر تتاكل عند بزوغ أشعة الشمس.تبدو الشماعية كمدينة الأقزام بمشاريعها و سيرورتها التنموية ،لكنها غنية بمكارم سكانها  بأمجادها بثراتها بوداعتها بصفاء جوها بزحامها و زعيقها ، غنية بمقاهيها بمطاعمها بمتسوليها و متشرديها ببائعيها المتجولين و بشبابها العاطل ، لكن بالمقابل تبدو الشماعية ضيقة صغيرة في عيون الكثير و الذين تطرق مسامعهم كل يوم حكايات حزينة عن بؤس مرافقها الصحية و عن شح في حدائقها الخضراء و المنتزهات العمومية و ارتفاع في منسوب ظواهر الإنحراف و احتلال أملاكها و انعدام مراحيضها العمومية و فوضى في حركة السير و اختناق شوارعها و ممراتها .و سواء أكبرت المدينة أو صغرت فإن الواقع الذي نقطع بصحته هو أن كل شيء فيها غير و أصبحت حديث العجائب و الغرائب. مدينة التناقضات و المفارقات ، مدينة تشرع ذراعيها للجميع ، لا تلفظ أحدا حتى أنها صارت كخلية نحل تسع الجميع و تموج حتى الثمالة بأصناف و بنماذج بشرية المختلفة أطيافهم و سحناتهم و لهجاتهم . منهم من يرفل في النعيم و كثير منهم يشكو شظف العيش و قساوة الحياة و ضنكها. صحيح ان المدينة اكتسى و جهها علائم الإشراق و الرفاهية و البذخ إلا أن جسمها تلفه ملامح البؤس و الحرمان و الوجع و الشقاء. مدينة تغص بالفوارق الإجتماعية ، مدينة تغص بالعاطلين و السماسرة و المتسولين و المتسكعين و المنحرفين . ان للمدينة طوايا و أسرارا لا تفصح عنها إلا لمن لازمها زمنا طويلا..
في بعض الأحيان يعتري نفسي الملل فأشعر بأن مدينة الشماعية أضيق من أن تحمل جسمي النحيف و ذلك بسبب الزحمة و تدافع المناكب و جلبة السابلة و صياح البائعين و صوت أبواق السيارات و عوادمها و حشرجاتها التي تملأ الأذن و تقبض الأنفس حينئذ لا أجد مفرا من أن أتجافى عن كل ذلك فأفزع إما إلى دروب المدينة القديمة لأسري عن نفسي بجولة أو أشق الطريق نحو سبخة زيما لأنعم بجلسة وادعة وأمتع بصري بالمشاهد الساحرة على امتداد أحواضها خاصة إذا صفا الجو و أطرب أذني بزقزقة الطيور على مختلف أنواعها و أصواتها و أرتاح تحت ظل أشجار الغابة المتاخمة لسبخة زيما . فيحلو لي أن أحمل قلبي و ألم عقلي لأخترق دروب الشماعية التي لا تتميز بشكل هندسي معين بل تتفاوت ضيقا و سعة و اعوجاجا:حي المسيرة ، حي السرسار ، سوق الخميس باستثناء تجزئة مكاديم .
يحلو لي  أن أجوب ارجاءها الملتوية و أتوغل في متاهاتها ، يطيب لي أن أترجل فيها من غير أن تضايقني المناكب أو يستبد بي الصخب و الضجر خاصة في الصباح الباكر.
مدينة الشماعية كما وصفها لي احد زملائي كانت في الماضي جنة الله في أرضه: ملعب الكولف ، الغابة المترامية هنا و هناك ،الورود المنتشرة في كل الحدائق ،الأشجار المصطفة في نظام بديع ، المياه الرقراقة و العذبة من كل الجنبات حتى أن بعض الابار وسط المدينة لا زالت تشهد على ذلك لكن للاسف أصحاب الإختصاص عملوا على ردمها ،كل ما فيها يروح عن النفس فتنتشي و تسمو العين في انشراح إلى كل ما يتراءى لها من هضاب و سماء و ماء و هنا يطوف البصر مشدودا و يتطلع الفؤاد مأخوذا و تتيه النفس ذهولا .
اما الان و العدة على الراوي كل ما في الشماعية ينفر و يعبس و حيثما وليت وجهك ينقلب إليك البصر خاسئا من فرط ما تعرفه من إهمال و تهميش و نكوص و جحود.

                                  ذ : مصطفى فاكر  

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي اسم الموقع