صرخة من الأعماق


موقع المنارتوداي//16//02//2020//
خيوط الضوء الرفيعة تتسلل برفق عبر النافذة الصغيرة مبددة ظلام ليل طويل..تحرك سليم فوق سريره..تثاءب ثم فرك عينيه سار نحو الباب بخطى ثقيلة و ألقى نظرة عبر المنظار ..سكون مقيت يخيم على الرواق،خيل إليه أنه يسمع صوت الصمت يخترق الزمان و المكان، لم يخطر بباله قط أن يصير الصمت بغيضا إلى هذه الدرجة .
بدأ يصفر لحنا حزينا ليبدد السكون الثقيل.. أعيش لحظة إجهاض نظرية ، شيء ما يتأجج داخل نفسه و لا يدرك كنهه ، استانف جولته المعتادة داخل الزنزانة.. ست خطوات من الباب  وست خطوات في الإتجاه المعاكس، تأتي عليه لحظات يقوم بجولته هذه دون وعي أو إدراك"أشعر برغبة ملحة في الكتابة "...جلس على منضدته الصغيرة و تناول قلمه.. و لكم ماذا يكتب ؟ لقد سود صفحات طويلة بمذكراته اليومية كما تعبت يده من الكتابة ". ترى هل سترى هذه المذكرات النور ؟.. لماذا لا يكتب إلى زوجته.. ترك شفتيه الذابلتين ترسمان على وجهه ابتسامة ساخرة. كان يعلم أنها لن تصل على زوجته هند ، فليكتب إذن و ليكن ما يكون .
" من وراء القضبان أكتب إليك " ماذا يكتب ، ايخبرها بالالتماس الذي كتبه أول أمس يطلب فيه العفو و يتراجع عن كل اقواله و نواياه و أفكاره، أم يحدثها عن الماضي و ذكرياته أو المستقبل و أحلامه ،"كيف حال ابنتي سلمى "..لابد انها تسأل عنا "بابا" الذي لم يعد بعد من سفره  الطويل ..."توقف فجأة عن الكتابة التقطت أذناه صوت أقدام تقترب .. سمع صريرالباب يفتح و راى وجه السجان الحديديي و النظرات المرعبة يطل.. لقد حان وقت الافطار..ناوله كأسا من الشاي و خبزا و قطعة صغيرة من الجبن ثم اقفل الباب ..و يسود الصمت من جديد .
اسند سليم راسه على حافة النافذة و راح يتأمل السماء..إنه لا يعرف من السماء إلا هذا المربع الضيق.. و أيضا تلك المئذنة الشامخة المنتصبة في تحد و استعلاء .. كان يشعر بشعور غريب كلما امتدت عيناه إلى قمتها.. ظل سنين عديدة يسقط من شأنها و ها هي اليوم تتحداه في صمت غير ابهة بنعيق السنين .
عاد إلى جولته.. توقف عند الخطوة الثالثة.. بدأ يصغي باهتمام على صوت مرعب يدوي بداخله.. شيء ما يموت ببطء و يتسرب في أعماق نفسه مخلفا حشرجة كئيبة .. جلس من جديد  إلى منضدته"كيف حالك يا هند.. سامحيني .. طالما سببت لك المشاكل.. هل تذكرين أيام كنت تحدثينني عن الاسلام و الرسول و الايمان ..و كنت أصم أذني خوفا من أن يتسرب شعاع من النور إلى ظلمات نفسي ؟ ثم ماذا يا سليم .؟ أتتنازل عن مبادئك في لحظة ضعف و بهذه السرعة ؟ يالتفاهة أفكارك يا سليم .
كان الرواق كعادته ضيقا و مضاءا بمصابيح كهربائية قوية.. خيل إليه و هو يسير وسط الحارسين أنه يمشي في هذا الرواق منذ أمد بعيد.. كانت " الرحلة" إلى مكتب التحقيق طويلة ..أخذ يلهي نفسه بقراءة الأسماء و الأرقام المكتوبةعلى الأبواب.. بدأت الاضواء تخفت كلما تقدم بهم السير ..كانت الممرات غارقة في ظلام دامس تخترقه اضواء خافتة تتسلل من تحت ابواب المكاتب . و أخيرا انتهت الرحلة .. كان مكتب المحقق متواضعا.. كل شيء فيه يبدو عتيقا.. الطاولة .. المنضدة .. الكراسي و الجدران .. و وجه المحقق ايضا .
   ذ : مصطفى فاكر  

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي اسم الموقع