بين الحقيقة والسراب!!!..





موقع المنارتوداي//22//01//2020// بقلم ذ/ مصطفى فاكر//
يجلس احمد في المقهى فيصادف رفيقة له في الدراسة حدثته عن كراهيتها للرجال لأن أباها كان يسئ معاملة أمها ، و أخبرته بأنها ستحاربهم بسلاح جسدها . ذكرته بفرنسية قابلها في باريس صارحته بانتماءها لحركة تحرير المرأة و سعيها لاستئصال الرجال أو استعبادهم. ثم استضافته في بيتها لتريه رسوما لجدتها. و فجأة شرعت تتمسح به مدعية أنه يشبه جدتها ، فانسحب لأنه لم يرد رؤيتها و هي تتحطم أمامه .
قالت له رفيقتها التي تزوجت و تخلت عن مبادئها بأن المرأة تبع للرجل هنا ،حتى حين تطالب بالإستقلال عنه .
يدخل شابان المقهى يتحدثان عن رجل مر أمامهما مع زوجته العاهرة ، يعلن أحدهما بأنه يكرهه لأنه لوث شرف الرجال ، و يؤكد أن البكر وحدها هي التي تستحق الحب لأنها شريفة ، تدخل فتاتان جميلتان ، ينسيان فجأة المبادئ التي كانت محور حديثهما و ينطلقان لمطاردة الفريسة الجديدة المتجددة .
يحدث أحمد نفسه :"متى كان الانحلال الجنسي تحررا ؟" متى كان سلاحا للدفاع عن الانوثة أو وسيلة لإثبات الرجولة؟ لقد تحول الجنس في الغرب إلى سراب لأنهم ارادوه غاية لا وسيلة .متى كان تحرير أحد الجنسين في استعباد الاخر ؟. إن كليهما يحتاج للحرية ، فحرروا إذن هذا الإنسان .
يغادر المقهى إلى ساحة قرب أحد احياء الصفيح يجلس بين شابين يدخنان الحشيش و يلبسان الجين و يتحدثان عن صديقتيهما اللتين تأخرتا  و عن أزمة السكن التي تخنق كل شاب يريد أن يتمتع ، ثم يقرر أحدهما أن الحل في بلاد الغرب حيث الفتيات مجانا و الحرية مكفولة  ذكراه بشاب مغربي وجده باوروبا يريد أن يستعيد دور صلاح الدين و يواجه عنصرية الغرب باللصوصية و معاشرة النساء . حكى طويلا عن عنصرية الغرب و استغلاله للعمال العرب ثم سعيه لطردهم حين أصبحوا واعين بحقوقهم بكل أساليب الإهانة و التضييق كما حدثه عن الهاوية التي يسير إليها أبناء اوروبا ، و عن التبعية الإقتصادية التي يفرضونها- مغلفة بالمعونات - على العالم الثالث .
التقى في باب المسجد بالحاج علي الذي كلمه في اهتمامات تافهة، ثم سمع صراخ نائحة على شرفها الذي ضاع لأنه لم يعد لها أبناء" كصلاح و طارق" و هي تعيش على أمل أن ياتي أخوهما لينقذها .
في المقهى التقى ثانية برفيق تقدمي ذكره بمناضل كان يرى بعد الناس عن الدين مكسبا ثوريا عظيما لأنه يخنقهم داخل الجبرية و الغيبية . يحاور أحمد مبديا ألا صلة بين الدين و الوضع الذي يثور هو عليه ، و أنه ضحية فكر "حول الصراع من حلبته الحقيقية إلى حلبة الإسقاطات ". يصرخ في وجهه: إنك رجعي ، يلتفت إلى رجل يلبس جلبابا أبيض يناقشه حول العدالة الإجتماعية في الإسلام ،فيجيبه : "إنك شيوعي و لا تدري ، انك تحرف الكلم عن موضعه ..كنت أود لو تحدثنا عن كيفية الصلاة أو الحج .. أود أن أذهب لأصلي ".
يحدث نفسه :"كيف اكون شيوعيا و رجعيا في ان واحد ؟" هل أنا شيو جعي أم رجيوعي ؟ من يكونون حتى يحاكمونني ؟ إنني أنا الذي أختار طريقي ...لا أقبل الوصاية من أحد "
يأتي النادل يعلن كراهيته للصنفين " التقدمي و الرجعي " و يفضح له بعض ممارسات الصنف الثاني ثم ينصرف ، يتركه يستمع إلى رجل يحدثه عن واحد يتاجر بالقضية الفلسطينية ، ثم يأتي بما كسب ليعربد به في الحانة . حدثه عن غش" المسلمين " و صدق اليهود، و لذلك انتصروا في حربهم ضد مائة مليون عربي ذوي الإهتمامات التافهة:" إن في وجدان كل عربي روكفيلر. و في وجدان كل عربية مارلين مونرو "..."إن مرضنا هو مجتمع الاستهلاك الكل يريد أن يعيش كيف شاء و أين شاء.. ما يهم الطريق المتبع... فليكن...هو الرشوة او العمالة... و لتكن النتيجة هي تخريب بيته و تأنيث أولاده و بيع شرف بناته .إنه ألم الاستيلاب مما نئن .
ثم يحدثه عن علة المأساة : التبعية للغرب:"...أتدري لماذا يعطونك الأدوية و في بعض الاحيان مجانا ؟ لأن الادوية تتطلب مكانا باردا فلتشتر ثلاجاتهم... أتدري لماذا يعبدون لك الطرقات و في بعض الاحيان مجانا ؟ لانه ما فائدة طريق معبد؟ فلتشتر سياراتهم .إنهم يملكون الداء و الدواء و لا يزيدك دواؤهم إلا داء ، اصنع دواءك بيدك أو مت كما تشاء لا كما يشاؤون هم .
ينصرف محاوره ن يتقدم شاب مغربي اسمه "ميدي" طالبا من صاحب المقهى اغنية "المارسييز"... تذكر هيلين الفرنسية السوداء من المارتينك التي ضمت نهائيا إلى فرنسا فأصبح سكانها السود بحكم القانون فرنسيين .
قالت له :"...و لكنني أدركت بمجيئي باريز أنني لست فرنسية لانني سوداء اعطوها إسما فرنسيا و بطاقة هوية و جواز سفر فرنسيين و علموها في المدرسةأن اجدادها هم الكولو... لكنهم لفظوها لأنها سوداء .لقد منحوها كل ذلك فقط ليضموا بلادها لبلادهم ثم لفظوها لأنها ليست ذات عرق صاف . تحدثه :"ليس لي سند لأنهم قتلوا كل سند يمكن أن اتكئ عليه ...أنتم العرب شعب محظوظ لأن لديكم الإسلام ،هذا القوي الذي تحطمت على صخور أمواج الاستعمار ، هذا الدين الذي حفظكم من الاستلاب و الاندثار...
ينتقل أحمد مكانيا بين فرنسا و المغرب يتجول عبر موضوعات حساسة محورها الاساسي التبعية الفكرية و الاقتصادية ، البعد عن الدين أو الجمود في فهمه.. و هذا يؤدي إلى الاندفاع الحثيث نحو الهاوية التي هي الفيصل" بين الحقيقة و السراب ".

                                                                              ذ : فاكر مصطفى 

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي اسم الموقع