درس التاريخ والجغرافيا بالسلك الثانوي وسؤال التغيير. للباحث التربوي عزيز لعويسي..الجزء الاول..


موقع المنارتوداي//07//06//2019//-عزيز لعويسي(المحمدية).
يضطلع التاريخ والجغرافيا بوظائف متعددة المستويات ترتبط بخصوصيات ومرجعيات كل مادة ، يتم تصريفها وفق كفايات نوعية وقدرات تنزل على أرضية الكتب المدرسية من خلال أهداف التعلم ذات الصلة بكل وحدة دراسية (درس، وباستقراء برنامج التاريخ والجغرافيا بالثانوي بسلكيه الإعدادي والتأهيلي ، يمكن تسجيل عدة ملاحظات بشأن جملة من الوحدات الدراسية / الدروس ،منها ما يرتبط بطبيعة المعلومة المقدمة للمتعلم (ةومنها ما يلامس الجانب المنهجي ، من خلال عدم احترام عناصر النهج الخاص بالمادة سواء التاريخي أو الجغرافي ، ومنها ما يخص دروسا بأكملها أضحت متجاوزة بفعل المتغيرات سواء الوطنية أو الإقليمية أو الدولية التي تفرض إقصاء دروس وإدراج دروس أخرى بديلة ، وعليه سوف نركز -على سبيل المثال لا الحصرعلى بعــض الوحدات الدراسية التي يبقى بعضها في حاجة إلى الحذف وبعضها الآخر في حاجة إلى إعادة النظر تنقيحا وتصويبـا ، حتى يتسنى تمكين المتعلم (ةمن وحدات دراسية فاعلة ومحفزة
-مثال1 : درس " القضية الفلسطينية : والصــراع العربي الإسرائيلي " (الوحدة7):
برنامج التاريخ بالسنة الثانية باكالوريا (مسلك الآداب والعلوم الإنسانية ، مسلك التعليم الأصيل ) تمت برمجة وحدتين دراسيتين (درسانترتبطان بالقضية الفلسطينية ، تتعلق الأولى (الوحدة 9) ب"القضية الفلسطينية : جدور القضية وأشكال التمركز الصهيوني" ( المجزوءة الأولى / المحور الثاني، أما الثانية (الوحدة 7) فتلقي الضــــوء على "القضية الفلسطينية والصــراع العربي الإسرائيلي " (المجزوءة الثانية / المحور الثاني ) ، ورغم أهمية هاتين الوحدتين الدراسيتين في التعريف بالقضية الفلسطينية لا من حيث رصد جذورها التاريخية ولا من حيث إلقاء الضوء على مسارات الصراع العربي الإسرائيلي ومسلسل السلام الذي تمخض عنها ، فــإن المستجدات الأخيرة التي عرفتها هذه القضية تسائل وبقــوة الدرسين معا وخاصة الدرس الثاني ( القضية الفلسطينية والصــراع العربي الإسرائيلي ) الذي أضحت عملية تدريسه متجاوزة بالنظر إلى قرار الرئيس الأمريكي "دونالد ترامبالقاضي بالاعتراف بمدينة القدس "عاصمة " لإسرائيل ونقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إليهـا ، وما أعقب ذلك من قرارات من ضمنها قرار مجلس الأمن الدولي ضد القرار "الترامبي/الأمريكي" ( لقي دعم أربعة عشر عضوا من أعضاء المجلس الخمسة عشر مقابل معارضة الولايات المتحدة الأمريكية التي أشهرت سلاح حق النقض "الفيتو" ) ورغم التهديدات "الترامبية / الأمريكيةفقد أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارا مماثلا بالإجمــاع (21/12/2017) أكد أن أي قرارات أو إجراءات ترمي إلى تغيــر طابع مدينــة القدس أو ووضعها أو تكوينها الديمغرافي ليس لها أي أثر قانوني وتعـد لاغيـــة وباطلــة وينبغي إلغاؤها انسجاما مــع قرارات مجلس الأمن ذات الصلة (القرار أيدته 128 دولة وعارضته 9 دول وامتنعت 35 دولة عن التصويــت، وفي نفس السياق كشف"ترامب/أمريكاعن أنيابه ، من خلال اتخاذ قرار يقضي بتقليص حجم المساعدات المالية الأمريكية الممنوحة لوكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين بالشرق الأوسط (الأونروا، وهو قرار انتقامي من شأنه حرمان مئات الآلاف من اللاجئين الفلسطينيين ومن ضمنهم أطفال من التعليم والغداء والصحة وغيرها .
إذن واعتبارا لهذه المتغيرات التي شكلت نسفـــا لعملية الســـــلام الراكد منذ سنــــوات وضربا لحقوق الشعب الفلسطيني المحتل ، واستهتــارا بمشاعــر ما يزيد عن المليـــار مسلم عبر العالــــم . و أبانت عن الوجه الحقيقي للسياسة الأمريكية حيال إسرائيل ، واعتبارا أيضا لمواقف مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة التي جاءت مغايرة ومنددة بالقرار "الترامبيالأمريكي ، مما جعل "أمريكاتفقد صفة الدولة "راعية السلام، لا مفر من التأكيد أن هذه المتغيرات شكلت تحولا مفصليا في تاريخ القضية الفلسطينية ، لذلك فقد آن الأوان لإعادة النظر في الوحدتين الدراسيتين السابقتين ، وفق رؤيــة جديدة تستحضر المتغيرات الجديدة التي بعثرت كل الأوراق و جعلت هذه القضية مفتوحة على كل الاحتمالات ، في ظل واقع جديد انهارت فيه مقولات السلام ، قوامه فرض سياسة الأمر الواقع من قبل كيان إسرائيلي مدعوم علنا بسياسة أمريكية أصرت وتصر أن تقف إلى جانب إسرائيل ضد المنتظم الدولي ودون اعتبار للقرارات الدولية ذات الصلة بالصراع العربي الإسرائيلي
-مثال 2: درس الولايات المتحدة الأمريكية : قوة اقتصادية عظمى(الوحدة 8) :
درس مبرمج على التوالي في إطار برنامج الجغرافيا للسنة الثانية باكالوريا (مسلك الآداب والعلوم الإنسانية ...)
المجزوءة الثانيةوبرنامج السنة الأولى باكالوريا (مسلك العلوم الشرعية بالتعليم الأصيل، مسالك العلوم التجريبية،مسلك العلوم الرياضية ، مسلك العلوم الاقتصادية والتدبير ) (المجزوءة الثانيةكما أنه مبرمج في إطار برنامج الاجتماعيات (الجغرافيابالسنة الثالثة ثانوي إعدادي (المحورالثانيتحت عنوان "الولايات المتحدة الأمريكية : قوة عالمية " .
وأول ملاحظة تثير الانتباه هي الاختلاف المفاهيمي بين برنامج السنة "الثالثةإعدادي وبرنامج السنتين "الأولىو"الثانيةتأهيلي فيما يتعلق بالعنوان المقترح لهذا الدرس ، ففي البرنامج الأول تبرز الولايات المتحدة الأمريكية ك"قوة عالميةوفي البرنامج الثاني كقوة اقتصادية عظمى، بمعنى بين السلك الإعدادي والسلك التأهيلي تتغير وضعية الولايات المتحدة الأمركية من القوة العالمية التي تقف على قدم المساواة مع قوى عالمية أخرى كالاتحاد الأوربي واليابان كقوى مهيمنة على المجال العالمي ، إلى "القوة الاقتصادية العظمىالتي تتربع وحدها على عرش الاقتصاد العالمي ، وهذا الاختلاف المفاهيمي من شأنه إرباك المتعلم (ةالذي يجد نفسه أمام درس واحد مؤطر بمفهومين مختلفين (القوة العالمية والقوة العظمى، لذلك آن الأوان للحسم في العنوان الأنسب لهذا الدرس ، فهل يمكن تبني المفهوم المعتمد في السلك الإعدادي(القوة العالميةأم لا مناص من احتضان المفهوم المعتمد بالتأهيلي (القوة الاقتصادية العظمى، وفضلا عن الإشكال الذي يثيره العنوان ، فإن هذا الدرس لا بد وأن يوضع تحت المجهر ، بالنظر إلى التغيرات التي طالت السياسة الأمريكية في عهد "دونالد ترامبالذي اتخد عدة قرارات ضربت مكانة الولايات المتحدة الأمريكية في الصميم وعمقت عزلتها في العالم ، ويمكن أن نسوق بعض الأمثلة على سبيل المثال لا الحصر منها
-قراره القاضي ببناء جدار فاصل على الحدود الأمريكية المكسيكية تحت ذريعة إيقاف تدفقات المهاجرين السرييــن المكسيكيين على التراب الأمريكي ، دون الاكتراث بوضع المكسيك كدولة عضو في "اتفاق التبادل الحر الأمريكي الشماليالذي يضم كندا فضلا عن الولايات المتحدة الأمريكيـــة.
إعطاؤه لأمر تنسحب بموجبه الولايات المتحدة الأمريكية من "اتفاقية الشراكة التجارية عبر المحيط الهادي" .
-قـرار الانسحاب من ميثاق الأمم المتحدة العالمي للهجرة الذي أقرته المنظمة الدولية السنة الماضية (2016) تحت اسم "إعلان نيويوركبهدف تحسين ظروف اللاجئين والمهاجرين وضمان حصولهم على التعلم والوظائف .
-قرار الانسحاب من اتفاقية باريس للمناخ التي تم التوقيع عليها في عهد الرئيس السابق باراك أوباما .
-قرار الانسحاب من المنظمة الدولية للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو) .
-تحدي القرار الترامبي / الأمريكي من طرف المنتظم الدولي على خلفية قرار الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ، سواء من طرف مجلس الأمن أو من طرف الجمعية العامة للأمم المتــحدة ، رغم التهديدات الأمريكية التي سبقت عملية التصويت

وهذه القرارات وغيرها ، عمقت من عزلة الولايات المتحدة الأمريكية في العالم ، وأزاحتها من موقع "الدولة العظمىالمؤثرة إيجابا في العلاقات الدولية ، إلى دولة فاقدة للبوصلة لا تجد حرجا في تبني لغة التهديـــد والوعيد لإخضاع الأصوات وتركيع المواقف المضادة ، بشكل يخدم شعار "أمريكا أولا، وبالتالي وفي ظل الزحف الكبير للعملاق الصيني على الاقتصاد العالمي ، والحضور الفاعل لليابان والتأثير القوي للاتحاد الأوربي والنجاحات المتواصلة للقوى الصناعية الصاعدة (كوريا الجنوبية ، هونغ كونغ ، تايوان ..) والطموح المشروع لبعض القوى المنتمية لدول الجنوب (الهند ، البرازيل ) ، وفي ظل كذلك الدور البارز والحضور القوي لروسيا في الشرق الأوسط وتحديدا بالمسرح السوري ، إلى جانب تنامي الدور التركي والإيراني ، مع استحضار الطموح النووي الكوري الشمالي ، يمكن التساؤل عن الوضعية الحقيقية للولايات المتحدة الأمريكية ، واستحضارا للمتغيرات التي تمت الإشارة إلى بعضها سلفا ، يمكن القول أن الولايات المتحدة الأمريكية فقدت بريقها وإشعاعها كقوة عظمى ، ولم تعد تحضى بالثقة والاحترام خصوصا من جانب العالم العربي والإسلامي ، لذلك فالمفهوم الذي يبدو أقرب إلى الواقع هو "الولايات المتحدة الأمريكية : قوة عالمية " وهو المفهوم المعتمد في السنة الثالثة إعدادي ، أما شمس "العظمةفلا شك أنها أضحت آيلة للغروب ، وعموما فقد أصبحت الحاجة ماسة لإعادة النظر في هذا الدرس -أولامن خلال تجاوز بعض الاختلالات المنهجية التي طالته في بعض الكتب المدرسية خاصة تلك التي لا تحترم نهج المــادة (الوصف، التفسير، التعميم) ( كتاب مورد التاريخ والجغرافيا نموذجا ...) ، و-ثانياتنزيل العنوان الذي يتناسب وحجم الولايات المتحدة الأمريكية الجانحة نحو العزلة ، التي ستترتب عنها ولا شك في ذلك ، تداعيات مختلفة المستويات على الاقتصاد الأمريكــي... يتبـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــع
الاستاذ عزيز لعويسي// باحث تربوي... المحمدية...

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي اسم الموقع