درس التاريخ والجغرافيا بالسلك الثانوي وسؤال التغيير..للباحث التربوي عزيز لعويسي....


موقع المنارتوداي// 03//06//2019// بقلم عزيز لعويسي.....
مثال 3: درس "الاتحاد الأوربي : نحو اندماج شامل " (الوحدة 5 ):
الدرس مبرمج في إطار برنامج مادة الجغرافيا بالسنة الثانية باكالوريا (مسلك الآداب والعلوم الإنسانية ... ) المجزوءة الأولى ، ونفس الوحدة الدراسية مبرمجة في إطار برنامج التاريخ والجغرافيا للسنة الأولى باكالوريا مسلك العلوم الرياضية ، التجريبية ...) المجزوءة الثانية (الوحدة 2) ، كما أن نفس الدرس مبرمج في السنة الثالثة من السلك الثانوي الإعدادي بعنوان مختلف : " الاتحاد الأوربي : إمكانياته ومكانته الاقتصادية في العالم "(الدرس الرابع) المحور الأول (التكتلات الاقتصادية في زمن العولمة) ، وهذا الاختلاف الذي طال العنوان يسمح بطرح التساؤلات التالية :
-ماهي المرجعيات التي تحكمت في اختيار عنوان " الاتحاد الأوربي : إمكانياته ومكانته الاقتصادية في العالم " في السنة الثالثة إعدادي ؟.
-لماذا تم تجاوز العنوان الأول ، وتم تبنــي عنوان " الاتحاد الأوربي : نحو اندماج شامل " في السلك التأهيلي ؟.
-لماذا لم يتم اعتماد العنوان الأول في السلك التأهيلي ؟.
-لماذا لم يتم اعتمـاد مفهوم "الاندماج الشامل" في المرحلة الإعدادية ؟.
-هل هذا الاختلاف أملته الرغبة في تمييز الدرس خاصة وأنه مبرمج في المرحلة التأهيلية ؟
عموما يمكن القول أن هذا الاختلاف ، ليس له أي مبرر لا معرفي ولا منهجي ، ومن شأن ذلك أن يشتت فكر المتعلم (ة) الذي يجد نفسه أمام درس واحد بعنوانين مختلفين ، لذلك من الضروري الحسم في عنوان هذا الــدرس ، علما أن "الاندماج الشامل" أضحى موضوع نقاش ، بالنظر إلى قرار خروج بريطانيا من الاتحاد الأوربي ، وهي ضربة لمفهوم "الاندماج الشامل" في الصميـــم .
-مثال 4: درس : "رهانات التكثلات الإقليمية : التكثل الإقليمي كخيار استراتيجي : نموذجا اتحاد المغرب العربي ومجلس التعاون الخليجي"
هذا الدرس مبرمج في إطار برنامج الجغرافيا بالسنة الأولى آداب وعلوم إنسانية ( المجزوءة الثانية :العالم العربي : التحولات والرهانات ) المحور الثاني ( رهانات التكامل الإقليمي) ، وباستقراء برنامج السلك الإعدادي وتحديدا السنة الثالثة إعدادي ، نجد درسا يلقي الضوء على اتحاد المغرب العربي تحت عنـــــوان " المغرب العربي : عناصر الوحدة والتنوع " (الدرس الأول) المحور الأول (التكثلات الجهوية في زمن العولمة ) ، وهذين الدرسين أصبحا في حاجة ماسة لإعادة النظر والتغيير لعدة اعتبارات :
-اتحاد المغرب العربي ليس له أي إشعاع إقليمي أو دولي .
-توقف سكة الاتحاد منذ سنوات بسبب إغلاق الحدود المغربية الجزائرية وطبيعة السياسات الجزائرية في المنطقة المعادية في مجملها لوحدة المغرب وسيادته ومصالحه .
-تداعيات ما سمي ب"الربيع العربي" على منطقة شمال إفريقيا عموما والمغرب العربي خصوصا (تونس ، ليبيا ).
-انغلاق السياسة الجزائرية وركود الاقتصاد الجزائري أمام تراجع اسعار النفط في السوق العالمية.
-محدودية موريتانيا اقتصاديا وسياسيا وتنمويا
في ظل هذه الأوضاع ، واقتناعا منه من عدم جدوى الاتحاد المغاربي ، راهن المغرب على عمقه الإفريقي من خلال العودة مجددا إلى الاتحاد الإفريقي بعد سنوات من تبني سياسة المقعد الشاغر، والحضور القوي للعاهل المغربي في إفريقيا الذي عزز العلاقات المغربية بعدد من البلدان الإفريقية بترسانة من الاتفاقيات التجارية ، في طليعتها اتفاق نقل الغاز من نجيريا إلى المغرب عبر عدد من البلدان الإفريقية الغربية ، وإرادة المغرب في الانضمام إلى المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا ( CEDEAO ) ، فضلا عن نقل التجارب والخبرات المغربية إلى إفريقيا في إطار مبدأ "رابح رابح" ، وهذا الحضور المتعدد المستويات للمغرب في إفريقيا ، شكل الضربة القاضية لاتحاد المغرب العربي الذي لم يحقق ما رسم إليه من أهداف منذ تأسيسه ، لذلك ، أصبح من الضروري تغيير هذين الدرسين ، واقتراح درس أو درسين بديلين ينسجمان مع خصوصيات المرحلة الراهنة ذات الصلة بحضور المغرب في إفريقيا (الاتحاد الإفريقي، المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا ...
-درس التهيئة الحضرية والريفية : أزمة المدينة والريف وأشكال التدخل(الوحدة 4)
الدرس مبرمج في إطار برنامج الجغرافيا للسنة الأولى باكالوريا علوم (المجزوءة الأولى / المحور الثاني) ، وقد تم تنزيل هذا الدرس في برنامج السنة الأولى باكالوريا آداب وعلوم إنسانية عبر درسين ، الأول منهما تحت عنوان "التهيئة الحضرية : أزمة المدينة وأشكال التدخل" (الوحدة 6 ) والثاني تحت عنوان "التهيئة الريفية : أزمة الريف وأشكال التدخل" (الوحدة7) ، وإذا كانت أهمية هذه الدروس تكمن في وضع المتعلم (ة) في صلب الأزمات التي تعرفها المدن والأرياف المغربية والتدابير المبذولة من طرف الدولة لمواجهتها سواء تعلق الأمر بالمستوى القطاعي (اجتماعيا، اقتصاديا،تجهيزيا، عمرانيا) أو على صعيد التهيئة الحضرية أو التهيئة الريفية أو فيما يتعلق بالتدخلات المعتمدة في إطار سياسة إعداد التراب الوطني ، فإنه وبناء على واقع الممارسة ، يلاحظ أن هـذه الدروس تبقى غارقة في أوحال الجانب النظري ، شأنها في ذلك شأن درس "الاختيارات الكبرى لسياسة إعداد التراب الوطني " (السنة الأولى باكالوريا علوم /آداب وعلوم إنسانية ...) ، مما يجعل المتعلم (ة) محاصرا بين كتب مدرسية غارقة في النظري وواقــــع متباين تماما كله أزمات وأعطاب ومشكلات متعددة المستويات ، وفي هذا الصدد وعلى سبيل المثال لا الحصر ، فقد تبنت الدولة جملة من البرامج من أجل تجاوز أزمات الأريــاف منها ما هو استعجالي ( "برنامج التنمية المندمجة للمجال الريفي(1994)" ، "برنامج التنمية البشرية المستديمة ومكافحة الفقر" ، "برنامج تزويد العالم القروي بالماء الشروب (1995)" و "برنامج الكهربة في العالم القروي" ...) ، ومنها ما يرتبط بالتهيئة الريفية ( " مشروع التنمية الاقتصادية القروية للريف الغربي (1964) " ، "مشروع حوض سبو (1968) " و "استراتيجية 2020 للتنمبة القروية بالمغرب (1999) ، مشروع إنعاش وتنمية أقاليم الشمال اقتصاديا واجتماعيا(1994) ... إلخ ، ومنها ما يلامس مجالات تدخلات سياسة إعداد التراب في المجال الريفي ومن بينها " تدارك تأخر الأرياف في المجال الاجتماعي، التجهيزات ، المرافق العمومية ..." ، وهذه البرامج وغيرها، تسمح بإبداء الملاحظات التالية :- أن كل البرامج التي استهدفت التنمية الحضرية والريفية ترجع إلى القرن الماضي ومعظمها اعتمد خلال فترة التسعينيات ، وبعضها يعود إلى فترة الستينيات (مشروع حوض سبو نموذجا) .
-أن بعض البرامج انتهى الإطار الزمني المخصص لها ،كما هو الشأن بالنسبة لبرنامج " مدن بلا صفيح "(2010-2004) أو على وشك انتهاء الفترة المرسومة لها (استراتيجية 2020 للتنمية القروية).
-أن البرامج المذكورة وغيرها تم اعتمادها خلال القرن الماضي ، وقد تحكمت في بلورتها وتنزيلها عدة ظروف وأهداف وهواجس مرتبطة بالأساس بخصوصيات وطبيعة المرحلة .-أن المتعلم (ة) يجد نفسه من جهة أمام مجموعة من البرامج التنموية يكون مجبرا على ضبطها ، ومن جهة ثانية أمام واقـــع حضري وريفي يعيش على وقع العديد من المشكلات والأزمات .
-أن ما حدث مؤخرا في إقليم جرادة وقبله ما حدث في إقليم الصويرة ، يعكس بوضوح عمق الأزمة التي تعاني منها الكثير من الأرياف والمدن المغربية ، وهذا يسائل البرامج التنموية الموجهة نحو المجال الريفي والتي لم تنجح في مواجهة واقع الفقر القاتل والعزلة المميتة .
-أن البرامج المذكورة يكتنفها الغموض والإبهام ، لا من حيث الأغلفة المالية المخصصة لها ، ولا من حيث سيرورتها واستمراريتها حسب الحكومات المتعاقبة ، ولا من حيث تقديم حصيلتها على مستوى الأهداف المسطرة لها (النجاحات ـ الإخفاقات ) ، وبالتالي فالمعرفة الملقنة للمتعلم (ة) لا تخرج عن نطاق التعرف على أسماء البرامج التنموية وأهدافها المرسومة ، دون أن تمنح له فرصة التشريح والنقد .
 إذن وبناءا على ما سلف ، آن الأوان لإعادة النظر في كل البرامج التنموية السابقة التي أبان الواقع عن قصورها ومحدوديتها ، وفتح نقــاش وطني حول "نموذج مغربي جديد للتنمية " يستحضر كل التحولات التي شهدها ويشهدها المغرب خاصة منذ مطلع القرن الواحد والعشرين في المجالات الاقتصادية والقانونية والسياسية والمؤسساتية ... إلخ ، واستحضار أيضا انفتاح المغرب على عمقه الإفريقي خاصة في الشق الاقتصادي ، ووضع برامج تنموية بديلــة قادرة على احتواء مظاهر الفقر والهشاشة وتحقيق التنمية الشاملة ، لذلك فقد أضحت الحاجة ملحة لنفض الغبار عن درسي " الاختيارات الكبرى لسياسة إعداد التراب الوطني " و " التهيئة الحضرية والريفية: أزمة المدينة والريف وأشكال المعالجة" ،وفق رؤية جديدة تأخذ بعين الاعتبار : تقادم البرامج التنموية التي تلقن للمتعلم (ة) وانتهاء صلاحيات بعضها، اعتماد الجهوية المتقدمة ، اعتماد نموذج جديد للتنمية بالصحراء ، مشروع أنبوب الغاز بين نيجيريا والمغرب ، استقطاب المغرب لعدد من الاستثمارات الدولية خاصة في مجال صناعة السيارات والطيران ، برنامج المغرب الأخضر ،مشروع نور بورززات ...إلخ ، لإضفاء المزيد من الدينامية والواقعية على هذين الدرسين ، حتى تقدم للمتعلم (ة) معلومة جديدة تجمع بين النظرية والتطبيق .عموما وتأسيسا على ما سبق ،فالأمثلة المشار إليها سلفا لم ترد إلا على سبيل المثال لا الحصر ، وهي تسائل برنامج التاريخ والجغرافيا ككل بالتعليم الثانوي بسلكيه الإعدادي والتأهيلي ، من خلال مجموعة من الوحدات الدراسية التي عمرت طويلا شكلا ومضمونا ، وأصبح الكثير منها متجاوزا بالنظر إلى المتغيرات الوطنية والإقليمية والدولية ، وما قيل عن الوحدات الدراسية التي أصابتها الشيخوخة ، ينطبق أيضا على طريقة صياغة الامتحان الوطني لنيل شهادة الباكالوريا والامتحان الجهوي للسنة الأولى باكالوريا ، والتي تنزل بناء على أطر مرجعية تقليدية ونمطية ، تقتل في المتعلم (ة) البعد النقدي والمنهجي سواء على مستوى "الاشتغال على الوثائق" التي تربط المتعلم (ة) بشكل آلي بالوثائق ، حيث لا يتطلب منه سوى قراءة الوثيقة المعنية واستخراج الجواب المطلوب دون عناء ، أو من حيث "الموضوع المقالي" الذي يقدم "التصميم" بشكل "جاهز " لمتعلم (ة) ما عليه إلا أن يكون متسلحا بالقدر الكافي من المعرفة ، وهذا التوجه المنهجي العقيم ينتج متعلم (ة) فقير على المستوى النقدي والمنهجي ، أما بالنسبة للمدرس(ة) ، فالأطر المرجعية تجعل منه مدرسا "نمطيا" و"مكبلا" ليس أمامه أي هامش للخلق والإبــداع والاجتهـاد .وعليه ، لا يمكن تجويد منظومة التربية والتكوين ، إلا بنفض غبار العقم الذي تعاني منه مجموعة من المواد ، ومن ضمنها مادتي التاريخ والجغرافيا ، وهاتين المادتين لا يمكن الارتقاء بهما ، إلا وفق رؤية متبصرة وجريئة قادرة على الاجتهاد معرفيا وديدكتيكيا وبيداغوجيا ، وإزالة هالة "القدسية" التي تحيط خاصة بالشق الديدكتيكي الذي لا بد من إخضاعه إلى منطق "النقد"البناء ، بهدف تطويره وتجديده بما ينسجم وطبيعة الواقع المدرسي وخصوصيات المتعلم(ة) المغربي ، مــع التفكير في التقليص من كم البرامج ، تفاديا للرتابة التي أضحت سمة لصيقة بالمادتين ، دون إغفال الانفتاح على تكنولوجيا الإعلام والاتصال ،وجعلها منسجمة ومتناغمة مع المرجعية الديدكتيكية التي لا زالت علاقتها محتشمة بهذه التكنولوجيا ولا تتجاوز حدود تقديم مورد رقمي (نص ، خريطة ، مقطع فيديو ...) ، في الوقت الذي تقتضي فيه خصوصيات المادتين ، تبني البعد التكنولوجي بشكل كلي ، يسمح بإعداد وتقديم دروس عبر "الدتاشاو" ، والانفلات من مخالب السبورة السوداء التي لا زالت مصرة على التواجد منذ سنوات خلت ، وقبل هذا وذاك لابد من الإيمان بفلسفة التغيير ، وهذا لن يتأتى إلا بعقليات متفتحة لها من الجرأة ما يجعلها قادرة على إحداث "ثورة ناعمة" من شأنها أن تغير من ملامح "مادة / شعبة " أصبحت في الوسط المدرسي مقرونة ب"الرتابة" و"الروتين" .
بقلم الباحث التربوي عزيو لعويسي..المحمدية...


الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي اسم الموقع