الثاني..سؤال” الموضوع المقالي” بمادة التاريخ و الجغرافيا .. بين واقع النمطية ورهان التجديـد - يكتبه لموقع المنار توداي في حلقات-الباحث التربوي عزيز لعويسي..الجزء


 موقع المنار توداي//30//05//2019/*/ بقلم ذ/ عزيز لعويسي ..المحمدية..  
ثانيــا : رهــان التغييـــر :
الملاحظات المومأ إليها أعلاه، قد يجد لها البعض مبررا معقولا لاعتبارين اثنــــين : أولهما أنها تساعد المتعلم(ة) وتضعه في صلب الموضوع المراد الإجابة عنه دون التيهان المعرفي والمنهجي، وثانيهما تدريبه من أجل تملك آليات ومهارات تحرير موضوع مقالي كمرحلة أولى، لإعداده في مرحلة لاحقة (الجامعة) للتعامل مع مواضيع أكثر تعقيدا تسائلالبعد المنهجيبالقدر الذي تسائلالبعد المعرفي، لكن قد يرى البعض الآخر أن المتعلم(ة) يتدرب على طريقة تحرير الموضوع المقالي لمدة ثلاثة مواسم طيلة المرحلة الإعدادية في مواد التاريخ والجغرافيا والتربية على المواطنــة، وهي مدة كافيــة للاستئناس بالجوانب المعرفية والمنهجية والشكلية، خاصة فيما يتعلق بتركيب الفقرات وحسن الربط بينها بشكل منهجي، بما في ذلك وضع تقديم إشكالي وخاتمة مناسبتين، وبالتالي ليس هناك أي تبرير للاحتفاظ بنفس طريقة الصياغة في المرحلة الثانوية التأهيلية .يمكن مشاطرة وجهة النظر الأولى على مستوى السلك الإعدادي الذي يعد مرحلة وسطية بين السلك الابتدائي والسلك التأهيلي ، حيث لا بد من أن يستأنس المتعلم(ة) بخطوات تحرير الموضوع المقالي أولا، بمساعدته عبر تذييل نص الموضوع بنوعيـــــة العناصر التي يتعين عليه الإحاطة بها في الموضوع، بشكل لا يتطلب منه إلا استحضار الجانب المعرفي وحسن الربط بين الفقرات مع وضع مقدمة وخاتمة مناسبتين، وبالتالي فثلاثة مواسم التي يقضيهــا المتعلم(ة) في السلك الإعـــدادي، تبقى كافيــــة لتملك منهجية تحرير موضوع مقاليمؤطرومتحكم فيه، لكن هذا التوجه لابد أن يتوقف عند حدود المرحلة الإعدادية (الثالثة ثانوي إعدادي)، وهنا يمكن تقاسم وجهة النظر الثانية، ذلك أن خصوصيات المرحلة التأهيلية (جذع مشترك، أولى باكالورياـ ثانية باكالوريا) تقتضي القطــع مع الوضعية الاختبارية المألوفـــة التي ليس فقط توجه المتعلم(ة)، بل وتقدم لهتصميما جاهــــزا، وهذه الطريقة تحرم المتعلم (ة) من فرص الاجتهاد من أجل وضع خارطة طريق (تصميم) من شأنها أن تؤطر عمله وتوضح رؤيته للموضوع ومنهجية معالجته، وبالتالي تقتل فيه روح التفكير و ملكة التعامل المنهجي مع المواضيع، مما يعكس أن الممارسة التربوية لا زالت تعرف استمرار "مركزية المحتوى" و "المدرس" على حساب المتعلم، الذي يصبح مجرد تلميذ يتلقى مادة تعلمه من الخارج وبطريقة جاهزة (5)،  وهذا يساهم في تشكيل متعلم (ة) فقير على المستوى المنهجي.قد يقول البعض أن مستويات الكثير من المتعلمين بالسلك التأهيلي تتميز بالمحدودية - مع بعض الاستثناءات- وبالتالي لا مفر من الإبقاء على المواضيع المقالية على صيغتها الحالية، لكن هذه الرؤية قد تتناسى أن الصيغ المعتمدة تكرس لواقع البساطة والرداءة، وتساهم في بناء متعلم (ة) معاق منهجيا ومهاريا ومواقفياإلخ، وتفسح المجال لتشجيع المتعلمين المتهاونين لممارسة فعل الغش في مواضيع مقالية تسائل الجانب المعرفي بنسبة 70% ، بدليــل أن واقع الممارسة الفصلية، يوضــح بما لا يدع مجالا للشك أن جل المتعلمين يواجهون صعوبات متعددة المستويات في التعامل مع المواضيع المقالية رغم بساطتها، إذ أن نسبة كبيرة تجد صعوبات في صياغةتمهيد إشكاليمناسب استثمارا لمخزونهم المعرفي، ويتم اللجوء إلى طريقةترقيعيةمن خلالفبركةتمهيد إشكالي بإعادة كتابةنص الموضوعوربطه بالأسئلة التي تشتق من العناصر المطلوب الإجابة عنها، والبعض الآخر يكتب فقرات غير مترابطة لا يربط بينها أي رابط منهجي، بسبب ضعف تملك آليات الربط بين الفقرات ومحدودية المستوى الإدراكي واللغوي، والبعض الثالث يستغلملكة الحفظ، ويكتب الموضوع بشكلحرفيكما أنزل في الملخص، والبعض الرابع لا يقوى حتى على تركيب جملة سليمة خالية من الأخطاء الإملائية، بل أكثر من ذلك يتبين بمناسبة إجراء الفروض الكتابية المحروسة، أن جميع المتعلمين بدون استثناء يحررون المواضيع المقالية بشكلآلــيدون أن يكلفوا أنفسهم عناء صياغةتصميمالموضوع المقالي المقترح عليهم في المسودة، من أجل تحديد العناصر التي سيتعين عليهم الإحاطة بها، وهذهالارتباكات المنهجيةيمكن أن نجد لها تفسيرا، من منطلق أن المتعلم(ة) ومنذ السنة الأولى إعدادي إلى حدود السنة الثانية باكالوريا (آداب وعلوم إنسانية) تعود على مواضيع مقاليةموجهةومتحكم فيهاوتقدم لهتصاميم جاهزة، والنتيجة هيشللمنهجي مثير للقلق أمام مواضيعبسيطة لا تتطلب سوى الإحاطة بالجانب المعرفي، بل أكثر من ذلك فلابد من الإقرار أنبساطةورتابةهذه المواضيع المقالية وإن كانت تنسجم و المستويات المتوسطة أو دون ذلك، فهي ولا شك في ذلك تخدم مصلحة المتعلمين المجدين و المتميزين الذين يحصلون على نقط متميزة بأقل تكلفة، وهي في نفس الوقتتظلمهملأنها تقيدهم ولا تمنحهم الفرصة للارتقــاء و تطوير القدرات والإمكانيــات خاصة المنهجية.
ثالثا : مقترحات :
لا مناص إذن، من إعادة النظر في طريقة صياغة المواضيع المقالية الغارقة في أوحال النمطية و الرتابة، خصوصا في السلك الثانوي التأهيلي المفضي إلى التعليم العالي، عبر مساءلةبنية تقويميةلا زالت مصرة على احتضانالجانب الكميعلى حساب البعد الكيفي، في زمن صارت فيه المعلومة متاحة في عالم تحول إلى قرية صغيرة لا تؤمن بالحدود والقيود، واقع متغير أصبحت فيه المعرفةعالمية، و في متناول الجميع في عصر المعلوميات والقنوات الفضائية التي كشفت خبايا و أسرار العلم و المعرفة التي كان المدرس يحتفظ بها لنفسه، لأنه كان آنذاك هوالمرجع الوحيدالذي يمتلكها، وكان يركز عليها في العملية التعليمية التعلمية متجاهلا بذلك التلميذ(ة) الذي كان خاضعا لأوامر مدرسه ويتقبل منه كل ما يقوله أو يمليه عليه دون معارضة، لأنه كان ملزما بإعادة المعلومات كما استقبلها على صيغتها الأولية دون تغيير أو تحريف (6)، وذلك من خلال التفكير في صيغ تقويمية بديلة قادرة على الارتقاء بالمتعلم(ة) معرفيا و منهجيا ومهاريا و مواقفيا ولغويا، بشكل يجعله يندمج بسلاسة في المسار الجامعي دون فشل أو ارتباك، من منطلق أن النماذج و الطرق البيداغوجية الحديثة تتأسس على الاعتراف بفاعلية التلميذ(ة)، و تثمين قيمته باعتباره عنصرا إيجابيا و تواقا إلى التعلم و العمل والإنتاج(7)، وفي نفــــس الآن تحرير المدرس (ة) من سلطةأطر مرجعيةراكدة وتوجيهات تربويةعقيمة تقيده ولا تترك له أي مجــال أو هامش للخلق والتجديد والابتكار، بشكل يجعلهمدرسا نمطيايجد نفسه في كل موسم دراسي مجبــرا على إنتــاج و تصحيــحمواضيع مقالية نمطيـــة، وما يقوي رهــان التجديـــد، هو أن وضعية المواضيع المقالية في مادة التاريخ والجغرافيابصيغتها الحاليةأضحت متجاوزة قياسا مع طبيعة الوضعيات الاختبارية لبعض المواد، من قبيل -مثلا- مادةاللغة العربية” (الإنشاء) و مادةالفلسفة، و بشكل خاص تلك المرتبطة بمادة التربية الإسلامية التي تبدو أكثر تقدما وتفتحا، حيث تتم مساءلة المتعلم(ة) انطلاقا منوضعياتتتطلب قدرات معرفية ومنهجية ومهارية ومواقفية، وليس انطلاقا من مواضيع موجهة ومؤطرة تعمق الرداءة و الهشاشة، و تقوي الدافع نحو ممارسة فعل الغش المدرسي الذي يرتفع منسوبه في زمن الفروض الكتابية والامتحانات الإشهادية، وبالتالي يمكن تبني خيارالوضعياتمحلالموضوع المقاليالمؤطر  والمتحكم فيه خاصة في السلك التأهيلي. في إطار التجارب المقارنة، وباستقراء امتحانات الباكالوريا في التاريخ و الجغرافيا وفق النظام الفرنسي، يلاحظ أن طريقة صياغةالمواضيع المقاليةتبدو أكثر تقدما، ولتوضيح الرؤية يمكن الإشارة إلى مثالين من الباكالوريا العامة بفرنسا مثال أول : (دورة يونيو 2017- شعبة العلوم) : الموضوع الاختياري الأول كان حول الصينالصين و العالم منذ 1949 بينما الموضوع الاختياري الثاني ارتبط برصد جوانب من تاريخ فرنسانظام الحكم بفرنسا منذ 1946 : الدولة، الحكومة،الإدارة،الرأي العام” (8).مثال ثان : (دورة يونيو 2017- شعبة الآداب) : الموضوع الاختياري الأول كان حولالاشتراكية، الشيوعية ، التنظيمات النقابية بألمانيا غداة الحرب العالمية الثانية إلى الزمن الحاضر، في حين الموضوع الاختياري الثاني ارتبط بالصين في علاقاتها بالعالمالصين و العالم منذ 1949 “(9).وعلى ضوء المثالين المشار إليهما سلفا، يتضح و بجلاء أن هكذا مواضيع تشكل محكا حقيقيا للمترشح(ة) ليس فقط على المستوى المعرفي، ولكن أيضا على المستويات المنهجية و المهارية و اللغوية و غيرها، فالموضوع الاختياري المتعلق بالصينمثلا- يضع المترشح(ة) أمام إطار مجالي ممتد (الصين و العالم) وإطار زمني (منذ 1949 إلى الزمن الحاضر) ، وهذا الإطارالزمكانيمن الصعب ضبطه و التحكم في مداخله و مخارجه، دون تملك "الآليات المنهجية" التي تساعد على ترويض الجانب المعرفي و حسن تنزيلرؤيةالمترشح(ة) للموضوع المقترح، إذ الهدف ليس هو المعرفة بذاتها، بل في كيفية تطويقها والسيطرة عليها منهجيا، وهذا يتضارب كليا مع ما هو معمول به بنظام الباكالوريا المغربية كما تمت الإشارة إلى ذلك سلفا (امتحانات التاريخ و الجغرافيا)، حيث يقدم للمترشح(ة) المغربي كل شئ، وما عليه إلا استحضار ما شحن في ذاكرته من معارف، وفي هذا الصدد يمكن الاعتماد على الطريقة المعمول بها في فرنسـا خاصة في المرحلة التأهيلية من أجل تمكين المترشح(ة) من مرورسلسنحو التعليم العالي.إذن تأسيسا على ماسبق، فإذا كان الكثير من المهتمين والمتتبعين يضعون الأصابع على مجموعة من الاختلالات التي تعتري منهاج تدريس التاريخ والجغرافيا بحكم المتغيرات الوطنية والإقليمية والدولية، فقد آن الأوان لمساءلة هذا المنهاج ككل وفق رؤية شمولية من شأنها أن تمنح الحياة لمادة أصبح إسمها مقرونا بالرتابة المملة، وهذا لن يتأتى إلا بنفض الغبار عنالتوجيهات التربوية و البرامج الخاصة بتدريس التاريخ و الجغرافيا بسلك الثانوي التأهيل، و تحريك المياه الراكدة للأطر المرجعية التي تؤطر مختلف الوضعيات التقويمية، أطر مرجعية متناقضة تماما، ظاهرها يتبنى مقاربة التدريس بالكفايات، أما جوهرها فيقدم المعارف أو على الأصح تاريخ المعارف، لأن المناهج الدراسية التي لم يتم تجديدها لأكثر من عشر سنوات هي معارف تنتمي لتاريخ المعرفة وليس للمعرفة، والنتيجة هي تحول البرامج الدراسية إلىسلكةكما هو الحال في التعليم العتيق، وتحول التدريس إلىتحفيظو التقويم إلى لحظة يرجع فيها التلاميذ/ الطلبة (بسكون اللام) البضاعة إلى أهلها، حتى إذا عجزوا عن ذلك و فشلوا في شحنذاكرتهمباللغو، عمدوا إلى شحن ذاكرات هواتفهم واستعمالها في الغش (10)، وإذا وضعناالتاريخ و الجغرافيافي قفص المساءلة و الاتهام، فليس من باب تحميلها مسؤولية انحطاط المستوى المنهجي للمتعلم(ة)، لأن الانحطاط يبدو كما لو كانأخطبوطايخترق كل المواد والتخصصات، خاصة تلك التي تحضر فيها آليات وميكانيزمات التفكير والتحليل والتركيب (اللغة العربية ، الفلسفة، التربية الإسلامية ، اللغات ..)، لذلك آن الأوان للقطع معالنمطيةالتي تعشش لسنوات كخيوط العناكب في كل المواد ومن ضمنهاالتاريخ والجغرافيا، والإيمان بفلسفةالتجديد  " في زمن "رؤية الإصلاح".
مراجع معتمدة :
(1) المصطفى لخصاضي،تدريس التاريخ والجغرافياحقل الجغرافيا،المرجعية الفكرية و الممارسة الديدكتيكية ، إفريقيا الشرق، السنة 2012، ص 160.
(2) المصطفى لخصاضي،تدريس التاريخ والجغرافياحقل التاريخ،المرجعية الفكرية و الممارسة الديدكتيكية ، إفريقيا الشرق، السنة 2012، ص 201
(3) التوجيهات التربوية وبرامج تدريس التاريخ والجغرافيا بسلك التعليم الثانوي التأهيلي، ص 35 .
(4) للمزيد من التوسع ينظر في هذا الصدد ، المصطفى لخصاضي، مرجع سابق، ص 218 وما بعدها،
(5)
الحبيب استاتي ،من التلميذ الى المتعلم بالمدرسة العمومية تقاطعات بين الحمولة الدلالية و المعرفية و الممارسة البيداغوجية، دفاتر التربية و التكوين العدد10 نونبر 2013 ، ص 15 مكتبة المدارس الدارالبيضاء.
(6) حمد الله جبارة مؤشرات كفايات المدرسعلاقة المدرس بالتلميذ في المقاربة بالكفاياتمطبعة النجاح الجديدة بالدارالبيضاء الطبعة الاولى 2009 ، ص 18.
(7) محمد مومن،بيداغوجيا التعليم المغربي، مجلة علوم التربية، العدد 55 ابريل 2013 ص 13.
(8) وردت الصيغة الفرنسية للموضوعين الاختياريين على النحو التالي :
Sujet 1 : La Chine et le monde depuis 1949 – sujet 2 : GOUVERNER LA France depuis 1946 : ETAT, GOUVERNEMENT, ADMINISTRATION,OPINION .
(9) وردت الصيغة الفرنسية للموضوعين الاختياريين على النحو التالي :
Sujet 1 : Socialisme, Communisme et Syndicalisme en Allemagne des lendemain de la seconde guerre mondiale a nos jours – sujet 2 : la Chine et le monde depuis 1949 .
(10) المصطفى مورادي، الوزارة المنتدبة لدى وزير الداخلية المكلفة بالتربية ، جريدة الأخبار العدد 1119 6 يوليوز 2016.
الكاتب ..الباحث التربوي عزيز لعويسي..المحمدية..


الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي اسم الموقع