قصة وقراءة : المسكوت عنه في قصة (قمة الاحراج) للكاتب العياشي تابث....بقلم عبدالرحمان الكياكي..

  

موقع المنارتوداي//20//05//2019// الكاتب عبد الرحمان الكياكي ....

 النص ....               .... قمة الإحراج ....                                                                                       أسندوا ظهورهم للجدار المحيط بالملعب البلدي، وأخذوا يلقون باللائمة على عباس،الذي قبل الاشتغال بثمن يحط من شأن المواقفية" حسب زعمهم . أحس عباس بإحراج شديد وهو يبرر ذلك بحاجته الملحة لمبلغ يسدد به تكاليف علاج ابنه المحموم. تدخل سعيد يسأل الآخرين عن قمة الإحراج، في محاولة منه لصرف     تركيزهم على صديقه المُحْرَج ، وقد استحال وجهه قطعة حمراء بلون التوت
قال الأول:
قمة الإحراج أن يرن هاتفك داخل مرحاض عمومي، وتضطر للرد على المتكلم، فيبادرك طفل بالسؤال، وأنت تهم بالانصراف: أليس الحديث داخل المراحيض مكروها يا عمي؟ فتشيح بوجهك عن مكان تواجده وتطيل خطواتك أكثر من المعتاد...
قال الثاني:
قمة الإحراج أن يعرفك الناس على صورة المسؤول الساهر على تطبيق القوانين الوضعية، فيكتشفوا حقيقة ما تقوم به من غش وتزوير، فلا تستطيع الخروج إليهم قبل أن تلبس قناع الأعذار نفيا وتكذيبا...
وقال الثالث:
قمة الإحراج أن تتحول مدينتك فجأة الى عمالة، فيسألك أحد الغرباء عن أبرز المعالم والمآثر السياحية والثقافية والرياضية بها، فينحبس الكلام بداخلك قبل أن تغريه بالحديث عن أكبر يقطينة نبتت بأحدى مزارع اولاد بوعنان...
قال الرابع:
قمة الإحراج أن يعتاد أبناؤك على تقبيل يد الأب الوقور المخلص، فيكتشفوا انصياعك خلف نزواتك، فلا تستطيع النظر في وجوههم قبل أن تلبس نظارتك السوداء...
انتفض حيمود من مكانه ، وفي نبرته ازدراء وتحقير لتلك التُّرَّهات المزاجية فقال:
بل قمة الإحراج أنْ جلسَ الموظف خلدون يوما، قبالة المنبر في مسجد بلدة قريبة من مدينة الولي الصالح، يستمع الى خطبة الجمعة، وسط المصلين من أهل البلدة، وكان الموظفَ الوحيد َبينهم جميعا، يعرفهم ويعرفونه، بل يتعاملون معه لقضاء أغراضهم الإدارية كلما دعت الضرورة. تحدث الإمام عن الرشوة فأطال، وكلما رفع خلدون عينيه صوب الامام  وجده ينظر اليه  دون سواه .كأنما يستقصده بكلامه  ، فكان يغرس نظره في الحصير  لايستطيع تحويله في اتجاه الآخرين، فقد انتابه إحراج شديد. أحس كأنما ينظرون إليه جميعهم، فأمسك ركبتيه بكلتا يديه، والعرق يتصبب منه غزيرا ساخنا. تمنى لحظة لو انتهى الإمام من خطبة وعيد لايطيق تحمل أوزارها بشكل منفرد، فليث بالمسجد موظفون آخرون يقتسمون تهمة الارتشاء معه...حدث نفسه بعدم الرجوع للصلاة في ذلك المسجد، فقد أحس كأن الإمام يحرض الناس عليه بكلامه، وأنهم على وشك أن ينهضوا لحظة من أماكنهم، يحملون أحذيتهم فيرجموه بها حتى يفر هاربا...دعا الإمام في متم الخطبة الأولى أن يمن على المرتشين بتوبة ومغفرة، فردد الناس آمين، لكن خلدون اعتبر أن هذا الدعاء أمر لن يتحقق بالنسبة إليه: فهو يعول أسرة من خمسة أفراد، ويزود والديه بمصروف شهري قار، ويتدبر تكاليف دراسة ابنه في كلية الطب، ودراسة الآخرين في التعليم الخاص، ويؤدي مصاريف السيارة والهواتف والانترنت، واعتاد أبناؤه على زيارة الأسواق الكبيرة لشراء الحلويات والشوكولاتة، وعلى القيام بخرجات سياحية أسبوعية، فهل تكفيه أجرته الشهرية لتغطية كل تلك المصاريف؟ لذلك عز عليه أن يقول مع الجماعة آمين.
لكنه تمنى أن يغير الإمام الموضوع في الخطبة الثانية، وأن يقصر ماأمكنه التقصير،إلا أن الإمام واصل بتحذير الرشاة الذين يشاركون المرتشين في الاثم. أحس خلدون ان الإمام يحرضهم على عدم إعطائه، ثم استرق النظر إليهم فرأى أعينهم في الحصير.
دعا الإمام في الختام فقال: اللهم انصر من نصر الدين، فقال الناس آمين، ثم أضاف: واخذل من خذل المسلمين، فسكت خلدون مخافة أن يكون ممن خذلوا المسلمين، فتصيبه لعنة الخذلان، ثم تأبط حذاءه منصرفا، لايذكر كم ركعة صلى خلف الإمام..


    
                                المسكوت عنه في ((قمة الإحراج))
((قمة الإحراج ))قصة قصيرة لكاتبها العياشي تابث ، من القصص التي تمت برمجتها خلال الملتقى  الوطني الثاني للقصة القصيرة بسيدي بنور ـ أيام 14 و15 أبريل 2017 .  .  اشتغل فيها كاتبها  على تيمة أساسية توضح بجلاء معاناة فئة من المجتمع المغربي تتأزم أوضاعها من حين لآخر ، انها فئة (المواقفية)). تلك الفئة التي تعيش التهميش والفقر ، والحكرة أحيانا . تجدهم مرتكنيين  في مواقف خاصة كما ترتكن سيارات الأجرة الكبيرة . إما في فضاءات عارية أو بالقرب من حدائق عمومية أو جدار لمنشأة معينة. عيونهم مشرئبة تترقب زبائن مفترضين . هذه الفئة تعد مفتاحا لجميع الأقفال  المغلقة ، يمتهن الواحد منها كافة الحرف ، وهو ما يعرف عندنا في الدارجة المغربية (البريكولاج).                                                                               يبدأ الكاتب حكايته بضمير الجمع ((أسندوا ظهورهم ....)) مما يدل على كثرتهم ، و يسبب لهم الإحراج بالعمل بثمن بخس .لكن هؤلاء هم عكس ذلك اذا استثنينا عباس الذي قبل ثمنا منحطا لحاجته الملحة لمبلغ يسدد به تكاليف ابنه المريض. لقد حاول الكاتب  من خلال تلصصه كمبدع على المستور والمسكوت عنه تمريره لمواضيع  ساخنة وحساسة على لسان شخصيات مقهورة اجتماعيا ، ولا تقبل الاشتغال بثمن يحط من كرامتها  رغم ضيق حالها وتعدد مسؤولياتها . يتضح ذلك بجلاء من خلال الخطاب الحكائي على لسان سعيد واحد من (المواقفية) محاولة منه صرف النظر عن صديقه عباس المُحْرَج بطرحه لسؤال عن قمة الإحراج . فكانت الإجابة مصنفة  حسب :
-المعتقد الديني : ((قمة الاحراج أن يرن هاتفك داخل مرحاض عمومي ، وتضطر للرد على المتكلم ، فيبادرك طفل بالسؤال ، وأنت تهم بالانصراف .أليس الحديث داخل المراحيض مكروها ياعمي ؟.
-المسؤولية الإدارية والمجتمعية : ((قمة الاحراج أن يعرفك الناس على صورة المسؤول الساهر على تطبيق القوانين الوضعية ، فيكتشفوا ماتقوم به من غش وتزوير ..))
التنمية المحلية : (( قمة الإحراج أن يسأل أحد أبناء المدينة عن المأثر السياحية والثقافية والرياضية ، فينحبس فيه الكلام ، قبل أن يغري الزائر بالحديث عن أكبر يقطينة بإحدى مزارع اولاد بوعنان . )).
-الهيبة والوقار :  (( قمة الإحراج كذلك ، تعويد الأبناء على تقبيل يد أبيهم الوقور المخلص ، فيكتشفوا انصياعه خلف نزواته. ))
-الرشوة :(  قمة الإحراج أن يجلس خلدون وسط المصلين من أهل البلدة للاستماع الى خطبة الجمعة ، التي كان موضوعها الرشوة ، ويحس بحرج شديد ، خاصة وأنه الموظف الوحيد وسط المصلين . والذي لا يكفيه مدخوله الشهري في مصاريف, وتعليم وخرجات أبنائه، فهو المعيل لأسرة من خمسة أفراد والمزود الوحيد لوالديه بمصروف شهري.
لقد  قدم الكاتب موضوعاته على لسان شخصيا ته بإحساس قصصي رهيف وبوعي ثقافي مطبوع بنوع من الاحترافية ,مبديا براعة ملموسة ،وواضحة في التقاط التفاصيل والجزئيات التي تنم عن وعي ثقافي وديني وسياسي لفئة هشة اجتماعيا ، مترجما ذلك من خلال خطاباتها ، ((لان روح الكتابة هو محايتثها لليومي والمعيش)) .  حسب رأي محمد زفزاف.. ويرجح تماهي صوت السارد مع أصوات شخصياته حيث حولهم الى فئة مثقفة، واعية تمتلك خطابا إصلاحيا .  فقمة الإحراج في نظر القارئ العادي أن تعبر فئة من(( المواقفية )) عن رأيها المتميز بوعي ثقافي ، فهي الفئة الأمية في نظر كل الشرائح الاجتماعية التي لا تعرف القراءة ولا الكتابة .  الكاتب عبد الرحمان الكياكي...






الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي اسم الموقع